سوالف 1

سوالف!!!!!!!!!!!!!! ومفردها سولافة، مصطلح كناكري بامتياز ، اشتهرت بها ستاتنا ( جمع ست وهي الجدة ) عندما يتجمع حولها الاحفاد لتحكي لهم ما تحفظه في ذاكرتها من حكايا وقصص، مثل مغامرات الشاطر حسن ، ونص نصيص ، وابوزيد الهلالي ، والزير سالم، وغيرها من حكايا الجدات التي انقرضت واندثرت واحتل مكانها التلفاز وما يبثه من افلام كرتون يتربى الجيل على سمومها وافكارها المعوجة

أطلت قليلا  في شرح المصطلح الذي اختاره الأخ العزيز صلاح الدين إسماعيل زينة ( مختار الجالية الكناكرية في الأراضي القطرية ) ليكون عنوان ما سيمدنا به من سوالف كناكرية تستعرض صورا يعبث طول العهد بتفاصيلها والوانها حتى لتكاد تمحى أو تنسى وما أكثر ما اضاعت ذاكرة الأيام من هذه الصور والذكريات

أشكر الأخ الغالي صلاح على استجابته ومبادرته بكتابة هذه الذكريات ( العتيقة ) وأترككم مع السولافة الأولى بعنوانالقرية والنهر ….. قصة حياة ….

القرية كناكر ، والنهر نهر الأعوج الذي تتفجر ينابيعه من سفوح جبل الشيخ الذي يفصل بين لبنان وسوريا ، وتغذي الأعوج بعض القرى الجبلية المستلقية في احضان جبل الشيخ بعدة روافد   ليقوى على اكمال رحتله الطويلة  الممتدة الى قلب الصحراء حيث  يصل في نهايته إلى الهيجانه بطول يتجاوز الـ   44 كم تقريبا ، تنحدر مياه الاعوج العذبة مستجيبة لطبيعة الجبل فتتهادى بين الشعاب والأودية لتروي قرى الجبل وتمد سكانها بالمياه وتزين الجبل بغطاء أخضر رائع في فصل الربيع والذي قد يسرق من الجبل سر تسميته بالشيخ فالجبل وبسبب تراكم الثلوج كان يحتفظ دائما حتى في فصل الصيف بقبعة بيضاء تشبه شعر المسن الابيض ولذلك سمي بجبل الشيخ ، وما إن يودع آخر قرية من قرى الجبل ( مغر المير ) وقبل أن يصل الاعوج إلى ناحية سعسع يدخل إلى القبة   حسبما يسميها الجميع وهي بناء روماني  أو عثماني  وكنت قد دخلتها عدة مرات وذلك لتنظيفها من الخزز وغصون الأشجار وما هب ودب ووقع عينك عليه وقبل القبة هناك فتحة مياه تستطيع الوصول إليها بسهولة من جانب المدرسة الأبتدائية التي على الطريق العام والغريب والمدهش أنه في هذه الفتحة ستشاهد فتحتان صغيرتان واحدة لجامع كناكر والأخرى لجامع داريا تخيل رحمك الله والقبة بناء مستطيل الشكل تستطيع أن تراها وأنت تعبر الطريق العام في بداية سعسع قبل مرورك من فوق الجسر وقبل أن يقول السائق : ساحة حدا نازل .

أما من الداخل فهي بناء رائع لا أعمدة فيه رغم المسافة الطويلة بين جدرانه والمبنية طبعا من الحجارة  السوداء

ومقسمة بحجارة إلى عدة فتحات مقاسم متساوية وفتحة كبيرة وأخفض من غيرها يسميها الفلاحين  بالسبط طبعا الكناكرية .وغيرهم لا أعرف .

وتوزع الحصص عل نحو 9 حصص للكناكري و15 حصة للديراني  حسب ما سمعت .

وطبع لما قام القوم بصب النهر  سامحهم لله جعلوا فتحة الفيض تصب على الديراني

وليس سامحهم الله لأنهم جعلوها للديراني وليست علينا بل لأنهم حكموا على المياه الجوفية بالموت لأن النهر كان يغذي هذه المياه .

وينطلق النهر متعرجا قاصدا القليعة وقبل وصولك القليعة لا بد لك من أن تتفحص الإزعر

وهي فتحة كنا نعاني الأمرين لو وجدناها مفتوحة،  لأن النهر عالي  والفتحة جدا منخفضة .

حتى تصل إلى القليعة وفيها فتحتان يجب أن تكون واحدة فقط مفتوحة.  واحدة وراء دار المختار  ، والثانية شرق الطريق العام  بمسافة 500-700 متر

والمشكلة التي كانت تواجهنا : لو وجدناهما مفتوحتين : يا ترى من صاحبة الحق، ومن هي المتعدية  … عليك الرجوع إلى أبو كاسم ولا أعرف كنيته وأعتقد أنه توفي رحمه الله ميتا وحيا وبيته وراء الدكان الوحيد في القليعة ولا يمانع في أي ساعة طرقت بابه لتسأله

وبين الفتحتين فتحة للمزرعة .  وبعدها يواصلالاعوج رحلته بمحاذاة الطريق الترابي الوعر، والمعبد حاليا ليصل إلى فتحة مياه يسميها البعض العياش نسبة لأحد الفلاحين المشهورين في تلك المنطقة

وبعدها يصل إلى فتحتي المازنية وشقحب   ،(وهما  فقط على الفيض ): يعني لهما حصة وقت فيضان النهر وتغلقان في 6 أيار تصوروا أخوتي أن فيض النهر كان يستمر حتى 6 أيار  

ثم يصل إلى كناكر…..طبعا يا أخوتي رغم كل هذه الإطالة إلا أن هنك تفاصيل  لم تذكر فسامحوني ولقائنا الثاني لو بقينا أحياء عن تقسيم المياه في كناكر العدان

هذه معلوماتي وأرحب بكل إضافة أو تصحيح  .

كتبتها بمساعدة الأخوة عبد الوهاب المصري وأيمن خميس من قطر

 

سوالف 2

يتابع الأخ الغالي صلاح الدين إسماعيل زينة حديثه الشيق والأصح سولافته العتقية عن نهرالأعوج ذلك المعين الذي يصفه بقوله : النهر الذي توحدت قصته مع قصة بلدتي كناكر، وتلونت قصتهما بلون الحياة.

وما كتبه صلاح يتميز بوجود بعض المصطلحات باللهجة الكناكرية والتي سأجعلها بلون مميز مع محاولة شرح المعاني قدر الإمكان لأني بصراحة ربما لا أستطيع مجاراة صلاح في المصطلحات الكناكرية          ( وللذين لايعرفونها يكفي أن تحاولوا نطق حرف الكاف بشكل مشدد وقريب من الشين، واستبدال حرف القاف بحرف الكاف حتى تصبحوا ممن يجيدون اللهجة الكناكرية).

سوالف (2 )

وهكذا يصل النهر إلى كناكر بعد رحلة تعرج فيها كثيرا حتى يصل إلى ( الطوك ( الطوك بتشديد الطاء وفتح الواو جمع طاكة أي طاقة ) كما نسميها بالكناكري  : وهاتان الطاقتان واحدة شرقية  ، وواحدة غربية ، وكلتاهما مفتوحتان إذا كان العدان على الثمانية ( ثمانية أيام )، وتفتحان بالتناوب إذا كان العدان على ال16 ( العدان هو الموعد المحدد مسبقا لكل فلاح ليروي ارضه من ماء النهر).

الطاكة الشرقية أكبر من الغربية ،  وذك لأن مساحة الأراضي التي تروى بها أكبر.

ومرة يكون العدان ليلا والمرة التالية نهارا ويكون التقسيم على الوقت حسب مساحة المالك في  المصراع  و(المصراع : مجموعة الأراضي التي تسقى بنهر واحد ).

و على الفلاح الذي يكون اليوم دوره بـ العدان أن  يطلع ( يمشي بجانب النهر ليطمأن على أن جميع المنافذ الجانبية مغلقة ) مع الميه ( الماء ) وعليه أن يكون في سعسع قبل  ساعة 12 من الاستلام حتى يجنى ثمرة حمايته للنهر، والفلاحين يتفاوتون في المدى الذي يصلون اليه في حمايتهم للنهر فمنهم من يصل إلى القبة ، ومنهم من يصل إلى قناة الحور عند الجسر  الأبيض حيث ذكريات الصويل ( غسل وتنقية القمح من الشوائب قبل سلقه وتحويله الى برغل ) واللعب على الأكياس ، وفي الماء ،وجمع عنب العليق ، والتآمر للهجوم على البستان المجاور، وتلويت( اتساخ ) اليدين والفم بالجوز المكسور والذي لم ينضج بعد ، ومنهم من يصل إلى مزرعة الخطيب ومنهم من يصل إلى الطماسيات في بلدة المقروصة، ومنهم من لا يصل إلا إلى  مسكره ( المسكر هو الفتحة الجانبة في النهر والخاصة بكل قطعة  أرض بمعنى أن لكل قطعة ارض فتحة تسمى مسكر بكسر الميم ).

وكم من ذكريات لا تنسى من الوقوع إلى حد الغرق أو استوقافك من قبل  دوريات مكافحة التهريب.

وأذكر مرة أننا وصلنا إلى غرب الخزرجية حيث منظر خلاب  وأحد فروع النهر الضخمة يشق الأرض من تحت الصخور بقوة الواثق من نفسه  ويحاول إثبات وجوده رغما عن الجميع.

وكم هي المعاناة كبيرة عندما يكون العدان ليلا في كوانين ( كانون الاول وكانون الثاني )، وتأتي لتجد جسرا قام أحد الأولاد الأشقياء بإلقاء عجلة ضخمة داخله ،  ولا تجد بداً من أن تنزل الماء ،والمشكلة ليس في دخول الماء وإنما بعد الخروج حيث يبدأ مسلسل الصك والرجف والهز ، وطبعا ليس فرحا  أو مشاركة لعرس في الجوار.

يجتمع أهل المصراع لحساب   الجرار   وتقسيمه على الجميع كل حسب وقته

( والجرار بتسكين الجيم والراء الأخيرة هو الزمن الذي تستغرقه المياه للوصول من مصراع إلى آخر  ).

وكان عليك سابقا أن تذهب قبل العدان لتولف: أي لتجهز الأرض للسقاية.

وري الأرض يكون على ثلاثة أنواع (  طياف –  كباس –  سقي )

و الطياف الري قبل الزرع ، والكباس الري بعد الزرع وقبل الإنبات ، والسقي

عندما تحاول أن تكون بعيد عن الزرع عند قيامك بتسكير  تلم خالع  ( التلم هو الفاصل الترابي المرتفع بين مسكبتين، خالع – ما بعرف شلون بدي اشرحها – يعني قد تعرض للتخريب ولك يعد صالحا لحجز الماء بين المسكبتين ).

أما في الربيع فإنك ستجد متعة كبيرة وأنت تنزل مع النهر حيث ستسمع صراخ الصبية الصغار وقد شمر كل منهم عن قدميه إلى ما فوق الركبة  وأمسكوا بقطعة قماش بانتظار صيد ثمين  من سمك وغيره  : ففيه من  السمك والسرطعان  والحيات والسلاحف النهرية  والضفداع  ، التي لا تتوقف  ليلاً عن الضجيج الذي تجد فيه ونس ( أنس ومؤانسة ) للوحدة وأنت تسير بجانبه ، وتجد آخرين قد أعجبهم لعب الطين وبدأ كل منهم ببناء مدينة المستقبل ، وآخرين قاموا  بإلقاء الحجارة في النهر علهم يصنعون بركة  ليظهر الجميع  براعته في السباحة.

وتمشي قليلا لتجد امرأة تجلي د سوتها الكبيرة( جمع دست والدست هو حلة كبيرة من النحاس يستخدم لطهي الطعام  في المناسبات )   مستخدمة السكن و بعض العروق الخضراء المنتشرة على حافة النهر ، وتجد أخرى بلغت من الكبر ما بلغت وقد أمسكت بمخباط ( المخباط  قطعة خشبية لها قبضة كانت تستخدم للمساعدة في تنظيف الثياب ) وهي تهوي به بكل ما تستطيع من قوة على بساط قديم ثقيل الوزن لم يغسل من بداية الشتاء ، وقد تجد أخرى تقوم بغسل الصوبيه(  مدفأة الشتاء )المهترئه وبواريها وملحقاتها  وشحارها يطفو فوق الماء في طابور .

وستشعر بشعور لا يوصف لو كنت تمشي بجوار النهر في الصباح الباكر لتجد طالبا جلس تحت شجرة وأمسك كتابا ، وقلم رصاص، لأن موعد امتحانات الجامعات و الشهادات قد اقترب.

هكذا  هو النهر مصدر خير وفرح للجميع وكم تكون الفرحة عارمة وأنت تعود بعد سهر ليلة باردة بنشوة الإنتهاء من سقاية كل شيء .

ولا أنسى كلمات جدي  طه عافاه الله وهو يقول:

سحي وابكي ، اسكي واضحك

ويلي بيجيبوا الحديد ما بتجيبوا الإيد

تكل الخنصر وهوي كدامها

اضحك على الأرض بتضحك عليك متل ما بتعطيها بتعطيك .

( هنا لن أشرح شيئ من معاني هذه الامثال الكناكرية رغبة في مشاركتكم في تبيان معانيها وبصراحة أكثر ، هروبا من جهلي لبعض معانيها )

كم عاشوا وكابدوا وعانوا ما عانوا،رحم الله آبائنا وأجدادنا، ورغم كل ما كانوا يعانون تسمعهم دائما يقولون لجيلنا : والله كان في محبة وخير وبركة أكتر من زمانكم.

أجل لقد علمتهم الأرض التفاني والقوة والصبر وحتى الحب  .

فاتني أن اذكر أنك عندما تذهب للسقاية ( ري الأرض ) عليك مراعاة معايير النظافة  ، ونظافة السقاي( الشخص الذي سيقوم بفعل السقاية  أي الري ) ليس بثيابه وإنما بنظافة جزمته ( أكرمكم الله )

وكم من مرة كنا نستيقظ وأحد الفلاحين ينادي من مكبر جامع العمري على الكراية ( تنظيف مجرى النهر من كل ما يعيق الماء عن الجريان بسهولة ) يا فلاحين  والكراية ليست من صنع الكناكرية

 فعن أنس بن مالك  قال: قال رسول الله :

 (( سبع تجري للعبد بعد موته وهو في قبره، من علم علما، أو كرى نهرا، أو حفر بئرا، أو غرس نخلا، أو بنى مسجدا، أو ورث مصحفا، أو ترك ولدا يستغفر له بعد موته ))  .

والكلام عن العدان لا ينتهي.

هذا هو نهرالأعوج وهذا جزء من قصته…..قصة  فرح وحياة ومعاناة .. والجميع يشعر بالنهر وكأنه أحد أفراد الأسرة ينشر الحياة وتشعر عند رؤيته بالتفاؤل  والأمل.

وللحديث بقية لو بقينا أحياء .

 

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 28 other followers